محمد بن زكريا الرازي
133
كتاب المرشد أو الفصول مع نصوص طبية مختارة
والسمين : وظن البعض الآخر أن كثرتها دليل على سعة الاطلاع وغزارة العلم . وكلا الرأيين خطأ من بعض وجوهه . فلو أن ما دوّنه الرازي وغيره من العلماء ، بل ما دوّنه الأدباء كان تأليفا حقا لكان العائبون لهذه المؤلفات على صواب . ولكن الواقع أن هذه المدوّنات لم يقصد بها التأليف ، فلا يضيرها الفوضى والاضطراب والتكرار لأنها ليست مؤلفات . وإنما هي مذكرات خاصة . كما أنه من الخطأ أن نعد كثرتها دليلا على غزارة العلم وكثرة المحصول . * * * [ صفات العلمية للرازي ] إذا أردنا أن نجمل الصفات العلمية للرازي إجمالا يبيّن مزاياه وضعفه ، لم نجد خيرا من وصفه أنه كان أستاذا ، وكان طبيبا ممارسا ناجحا ، وفي هاتين الناحيتين تتلخص حياته العلمية . كان أستاذا فكان عليه أن لا يخرج خروجا صارخا على أسس العلوم الطبيّة كما عرفها أهل زمانه ومن سبقهم . وأساتذة الطب لا يرون من واجباتهم أن يثوروا على النظريات الطبيّة القائمة ، ولا أن يقدموا للناس نظريات جديدة حتى يصقلها الزمن ويتبيّن خطؤها أو صوابها . وكان الرازي كغيره من الأطباء العرب ، يؤمن إيمانا راسخا بالطب اليوناني ، فهو قائم على منطق لا يقبل الجدل . ولكن ذلك لم يمنعه من أن يعترض على بعض آرائهم ، يفندها تفنيدا قد يكون أحيانا قاسيا عنيفا . وكان عليه - من حيث هو أستاذ - أن يشرح ويفسر ما في الكتب ، وأن يجعلها أقرب إلى الطلاب وأيسر فهما . وكان عليه أن يبيّن لطلابه كيف يتقنون هذه الصناعة ، وكان عليه أن يبيّن رأيه في محنة الأطباء [ امتحانهم ] ، وأن يهديهم إلى ما يعينهم في ممارستهم العلاج . أما عنايته بتفسير الكتب وشرحها فيدل عليه قوله في أول كتاب الفصول :